علي بن أحمد المهائمي

156

خصوص النعم في شرح فصوص الحكم

المعارف العقلية والتجليات الإلهية ، ( فقال نوح في حكمته ) أي : في بيان حكمة أمره بطلب الستر عن المحسوسات ( لقومه ) يُرْسِلِ السَّماءَ [ نوح : 11 ] ، أي : سماء المبادئ العالية من الحضرة الإلهية والعقول المجردة ، والأرواح الطاهرة الملكية ( عَلَيْكُمْ مِدْراراً [ نوح : 11 ] ) ، أي : بأسرار الأسماء الإلهية والكونية ، ( وهي المعارف العقلية ) عن العقول المجردة ، ( والمعاني ) المجردة عن الحضرة الإلهية ( والنظر الاعتباري ) ، وهو الانتقال مما يرى في عالم الحس ، أو عالم المثال إلى ما يناسبه عن حضرة الأرواح الطاهرة الملكية ، ( وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوالٍ [ نوح : 12 ] ، أي : بما يميل بكم إليه ) من تجليه ( فإذا مال بكم إليه رأيتم صوركم فيه ) ؛ لأنه إنما يرى إذا فاضت منه صورة نورانية على العين الثابتة للرائي بما تناسب الحق . وذلك مدد منه تعالى إياه بحسب استعداده الخاص الحاصل له عن الستر عن المحسوسات ، فتنعكس تلك الصورة إلى مرآة الذات فيحجب عن رؤيتها حجب صور المرايا عن رؤية إجرامها ، ( فمن تخيل منكم ) عند ذلك التجلي ( أنه رآه ) أي : الحق من غير حجب صورته عن رؤيته ، ( فما عرف ) حقيقة أمر التجلي ، ( ومن عرف منكم أنه رأى نفسه ) في مرآته عند تجليه ( فهو العارف ) المطلع على حقيقة أمر التجلي ، ( فلهذا ) أي : فلانقسام أهل التجلي إلى من تخيل أنه رأى الحق ، وإلى من يعرف ، وإلى من لا يعرف ، أنه لا يرى ، وإنما يرى صورته في مرآته ( انقسم الناس ) كلهم ( إلى عالم وغير عالم ) ؛ لأنه إذا تطرق الجهل إلى أهل التجلي فغيرهم أولى بذلك على أن أكثرهم يقلدونهم . ثم قال نوح : وَاتَّبَعُوا [ نوح : 21 ] ، أي : قلدوا مَنْ لَمْ يَزِدْهُ مالُهُ وَوَلَدُهُ [ نوح : 21 ] ، أي : تجليه إِلَّا خَساراً [ نوح : 21 ] ، إذ تخيل أنه رأى الحق فزعم أنه الإله ، أو أنه على صورته فأمرهم أن يتخذوا صنما على صورته ، ولكن لم يصرح به الشيخ رضي اللّه عنه استغناء عنه بما أشار إليه ، وجاء للإشارة إليه بما هو عطف عليه وهو قوله : وَوَلَدُهُ [ نوح : 21 ] ، أي : واتبعوا يعنى : قلدوا من لم يزده ( وولده ، وهو ما أنتجه نظره الفكري ) من المعارف العقلية ، وهو وإن كان بمنزلة نور البصر ؛ فلا يفيد بدون التنور بنور الشرع الذي هو بمنزلة نور الشمس ، ولو اجتمعا فلا يتم رفع الالتباس بدون نور الكشف . لذلك قال : ( والأمر ) أي : أمر المعقولات ( موقوف علمه ) صافيّا عن شوائب اللبس ( على المشاهدة ) الحاصلة بالتصفية ، كما قال تعالى : وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا